الشيخ محمد بن محمد رضا القمي المشهدي

37

تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب

« ويُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » : إلى وقت سمّاه اللَّه وجعله آخر أعماركم . « قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا » : لا فضل لكم علينا ، فلم تخصّون بالنّبوّة دوننا ، ولو شاء اللَّه أن يبعث إلى البشر رسلا لبعث من جنس أفضل . « تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا » : بهذه الدّعوة . « فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 ) » : يدلّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزيّة . أو على صحّة ادّعائكم النّبوّة ، كأنّهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البيّنات والحجج ، واقترحوا عليهم آية أخرى تعنّتا ولجاجا . « قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ولكِنَّ اللَّهً يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » : سلَّموا مشاركتهم في الجنس ، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنّبوّة فضل اللَّه ومنّه عليهم بخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم . « وما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » ، أي : ليس إلينا الإتيان بالآيات ولا تستبدّ به استطاعتنا حتّى نأتي بما اقترحتموه ، وإنّما هو أمر يتعلَّق بمشيئة اللَّه فيخصّ كلّ نبيّ بنوع من الآيات . « وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) » : فلنتوكّل عليه في الصّبر على معاندتكم [ ومعاداتكم ] ( 1 ) . عمّموا الأمر للإشعار بما يوجب التّوكّل عليه ( 2 ) ، وهو الإيمان ، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوّليّا . ألا ترى قوله : « وما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ » ، أي : أيّ عذر لنا في أن لا نتوكّل عليه « وقَدْ هَدانا سُبُلَنا » : الَّتي بها نعرفه ، ونعلم أنّ الأمور كلَّها بيده . « ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا » : جواب قسم محذوف ، أكّدوا به توكّلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفّار عليهم . « وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) » : فليثبت المتوكّلون على ما استحدثوه

--> المظالم فلم يبق عليهم سوى ما يتعلَّق بحقّ اللَّه - تعالى - فإذا تابوا يغفر اللَّه جميع ذنوبهم ، وأمّا الإيمان فلا يحصل منه الخروج من المظالم ، فيغفر ما سواها ، ولذا دخل « من » على مغفرة ذنوبهم ليدلّ على التبعيض . 1 - من أنوار التنزيل 1 / 527 . 2 - أي : عممّوا الحكم بأنّ على جميع المؤمنين التوكّل على اللَّه لكنّ المقصود بالذّات الرسل ، فكأنّما قالوا : إنّ عليهم التوكّل .